الانتخابات المقبلة: إمّا دولة للناس… أو مسرح لبيع الفقراء..
اختبار الكرامة قبل صناديق الاقتراع

«حين يُدفع الإنسان إلى الفقر، لا يُسلب منه المال فقط، بل تُسلب منه حريته وقدرته على الاختيار.» جان جاك روسو
كتبت رئيسة تحرير lebcnnews رودا بدر بيان افتتاحي في lebcnnews، لا نرى في الانتخابات النيابيّة المقبلة مجرّد استحقاق دستوري، بل لحظة محاسبة وطنيّة.
نكتب لأنّ الصمت تواطؤ، ولأنّ الصحافة التي تكتفي بنقل الشعارات تتحوّل إلى شاهد زور.
الديمقراطيّة لا تُقاس بعدد الصناديق، بل بقدرة المواطن على الاختيار بحريّة. وحيث يُترك الإنسان فريسة الفقر، والمرض، والجهل، تنتفي الحريّة ويُفرَّغ الاقتراع من معناه.
من هنا، نعلن بوضوح:
الضمان الاجتماعي أساس العقد الاجتماعي، وأيّ مشروع سياسي يتجاهل هذا الأساس هو مشروع هشّ مهما علت شعاراته.
كفى بهدلة: الدولة تبدأ من حماية ناسها.
في كل موسم انتخابي، تتقدّم العناوين الكبرى على حساب الإنسان. تُناقش السّيادة وتُهمَّش الكرامة، ويُرفع شعار الإصلاح فيما يُترك المواطن وحيدًا أمام الاستشفاء والشيخوخة والتعليم.
ضمان الشيخوخة، التأمين الصحي الشامل، والتعليم الرسمي المجاني والمؤهّل ليست مطالب كماليّة، بل حقوق أساسيّة. ومن يطلب ثقة الناس من دون التزام صريح بها، يطلب أصواتًا لا شراكة.
الدّولة التي لا تحمي مواطنيها اجتماعيًّا، لا تصنع مواطنة بل تبعيّة، ولا تبني ديمقراطيّة بل زبائنيّة.
السّلاح ليس الذريعة الوحيدة للفشل.
لا جدال في أنّ وجود السلاح غير الشرعي شكّل عائقًا أمام قيام دولة فعليّة. لكن التذرّع الدائم به بات وسيلة للهروب من استحقاقات داخليّة لا تقلّ خطورة.
اليوم، مع عهد جديد برئاسة العماد جوزاف عون، وحكومة إصلاح وإنقاذ برئاسة الدكتور نواف سلام، وخطط معلنة لفرض سلطة الجيش جنوب الليطاني تمهيدًا لبسطها شماله، لم يعد مقبولًا تأجيل العدالة الاجتماعيّة إلى أجل غير مسمّى.
حتّى في ظل استعادة السيادة، يبقى السؤال الجوهري:
هل يمكن لفقير بلا ضمان أن يكون حرّ القرار؟
وهل تُنتج الانتخابات تغييرًا حقيقيًّا إذا بقي المجتمع هشًّا؟
الفقر: السلاح الأخطر في الحياة السياسيّة.
الفقر في لبنان لم يعد نتيجة انهيار فقط، بل تحوّل إلى أداة سياسيّة.به تُدار الانتخابات، وتُشترى الأصوات، وتُعاد إنتاج المنظومة نفسها.
جيل يُدفَع للتصويت مقابل مساعدة ليس فاسدًا، بل متروكًا. ومن يترك النّاس بلا حماية ثم يحاسبهم أخلاقيًّا، يمارس عنفًا اجتماعيًّا مقنّعًا.
لا ديمقراطيّة مع الجوع. ولا حريّة سياسيّة من دون عدالة اجتماعيّة.
التعليم الرسمي: معركة المعرفة ضدّ الفقر.
فلا مستقبل لجيل يُحرم من المعرفة بسبب المال.ولا دولة تُبنى فيما المدرسة الرسميّة مهملة، والمعلّم مهمّش، والطالب محكوم بالحرمان.
التعليم الرسمي المؤهّل ليس خيارًا، بل ركيزة سياديّة. فمن دون معرفة، لا وعي. ومن دون وعي، لا تغيير.
الانتخابات: محاكمة منظومة لا سباق لوائح.
الانتخابات المقبلة ليست منافسة أسماء ولا بازار وعود. إنّها محاكمة علنيّة لمنظومة:
همّشت الإنسان، واستثمرت في فقره، وراكمت سلطتها على حساب كرامته.
إمّا أن تدخلَ العدالة الاجتماعيّة إلى صلب البرامج الانتخابية، أو فلنكن صريحين: نحن لا ننتخب دولة، بل نكرّس الإهانة.
في lebcnnews، نكتب هذا الموقف بوضوح، لأنّ الصحافة التي لا تنحاز للإنسان تفقد معناها، ولأنّ التغيير يبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها.
الانتخابات المقبلة ليست اختبار لوائح، بل اختبار وعي.



