خاص LEBCN

الانتخابات المقبلة: إمّا دولة للناس… أو مسرح لبيع الفقراء.

حين يصبح الفقر قدرًا، تصبح الديمقراطية كذبة.

كتبت رئيسة تحرير lebcnnews الأستاذة رودا بدر :
الانتخابات المقبلة: إمّا دولة للناس… أو مسرح لبيع الفقراء.

«حين يصبح الفقر قدرًا، تصبح الديمقراطية كذبة.»
— بتصرّف عن بيير بورديو
دعونا نتوقّف عن الكذب على أنفسنا.
لا انتخابات حرّة في مجتمع جائع.
ولا سيادة فعلية في بلد تُباع فيه الأصوات لأن الناس تُركت بلا حماية، بلا ضمان، وبلا أمل.
في كل موسم انتخابي، تُرفع الشعارات ذاتها:
مقاومة، سيادة، إصلاح، محاربة فساد، تطبيق قرارات دولية.
لكن ما لا يُقال صراحة هو أن الإنسان اللبناني أصبح تفصيلاً مزعجًا في هذه المعركة، يُستدعى فقط يوم الاقتراع، ثم يُعاد رميه إلى الهامش.
كفى بهدلة: الضمان الاجتماعي أساس العقد الاجتماعي
من يترشّح اليوم من دون التزام واضح ومكتوب بضمان الشيخوخة، والتأمين الصحي الشامل، والتعليم الرسمي المجاني واللائق، لا يطلب ثقة الناس بل يطلب استخدامهم.
الدولة التي لا تضمن شيخوخة مواطنيها، هي دولة بلا أخلاق.
والنائب الذي يتحدّث عن السيادة ويتجاهل مريضًا لا يملك ثمن دوائه، يمارس نفاقًا سياسيًا.
كفى تحويل المرض إلى إذلال.
كفى تحويل التعليم إلى سلعة.
كفى جعل الشيخوخة عقوبة.
الضمان الاجتماعي ليس منّة، وليس شعارًا يساريًا، بل أساس العقد الاجتماعي. ومن دونه، كل حديث عن دولة القانون مجرّد لغو.
السلاح ليس العذر الوحيد
نعم، وجود السلاح غير الشرعي شوّه الحياة السياسية وقيّد الدولة.
لكن حان الوقت لقول الحقيقة كاملة:
السلاح ليس الذريعة الوحيدة للفشل.
اليوم، ومع حكومة إصلاح وإنقاذ، وعهد يرفع شعار استعادة الدولة، ومع خطة لفرض سلطة الجيش جنوب الليطاني تمهيدًا لبسطها شماله، لم يعد مقبولًا الهروب من الأسئلة الاجتماعية بحجّة “الظروف”.
حتى لو حُصر السلاح بيد الجيش غدًا،
هل يصبح الجائع حرًّا؟
هل يستعيد الفقير كرامته تلقائيًا؟
هل تتوقّف عملية شراء الأصوات إذا بقيت الناس بلا أمان؟
الفقر هو السلاح الأخطر.
الفقر ليس حالة اجتماعية، بل أداة حكم.
به تُشترى الأصوات، وتُصنع الزعامات، ويُورَّث النفوذ.
جيل يُدفَع للتصويت مقابل حفنة مال ليس فاسدًا، بل مُهانًا.
والمنظومة التي تتركه جائعًا ثم تحاسبه أخلاقيًا، منظومة وقحة.
لا تطلبوا من الناس بطولة وهم عراة.
ولا تطلبوا وعيًا ممن حُرموا التعليم.
ولا تطلبوا استقلالية قرار ممن يعيشون على تحويلات المغتربين.
من لا يملك قريبًا في الخارج، يعيش في هذا البلد كمواطن درجة ثانية.
وهذه ليست دولة… بل نظام فرز اجتماعي.
جيل مخيَّر لا مسيَّر.
كفى تخويفًا.
كفى وصاية.
كفى تبريرًا للفشل.
التغيير لا يبدأ من صندوق الاقتراع، بل من كسر معادلة:
الفقر مقابل الصوت.
جيل اليوم إمّا أن يقرر أن يكون شريكًا في إنتاج منظومة جديدة،
أو أن يبقى وقودًا لمنظومة تعيش على إذلاله.
القرار ليس خارجيًا، ولا إقليميًا، ولا دوليًا. القرار هنا.
بيد من تعبوا من العيش بلا ضمان، بلا مدرسة رسمية محترمة، وبلا طبابة.
هذه ليست انتخابات عادية، ولا معركة لوائح، ولا منافسة أسماء، ولا حتّى استفتاء على شعارات كبرى.
هذه مواجهة بين: دولة تحمي ناسها ونظام يعيش على فقرهم.
إمّا أن يدخل الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والتعليم الرسمي المُمكَّن، إلى صلب البرامج الانتخابية،أو فلنعترف بشجاعة أننا لا ننتخب… بل نعيد إنتاج الإهانة.

الديمقراطية التي لا تُطعم الناس، لا تحرّرهم.
والانتخابات التي لا تعِد بالكرامة، ليست استحقاقًا… بل مسرحيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى