خاص LEBCNسياسة

​زلزال “السيادة الثالثة”: عندما تحوّلت “هذه بلادنا” من جملة سياسية إلى عقيدة وجوديّة.

 

​زلزال “السيادة الثالثة”: عندما تحوّلت “هذه بلادنا” من جملة سياسية إلى عقيدة وجودية

​بقلم: رودا بدر

​حين هبّت عواصف التسويات الإقليمية في المنطقة، وظنّ الكثير من المراهنين في الغرف المغلقة أن لبنان سيُعرض مجددًا في مزاد المقايضات الدولية كقطعة أرضٍ معروضة للإيجار، خرج الصوت من قمة الهرم قاطعًا كالسيف ليقلب الطاولة المعرفية والسياسية بكلمتين اثنتين: “هذه بلادنا”.

​لم تكن هذه العبارة مجرد ردّ فعلٍ لفظي على تصريح عابر أو مناورة ديبلوماسية فرضتها اللحظة، بل كانت “صدمة كهربائية” حاسمة في جسد السياسة الدولية، وإعلانًا رسميًا غير قابل للتأويل عن ولادة “السيادة الثالثة”. الرئيس هنا لم يخلع قفازات الدبلوماسية فحسب، بل نزع الغطاء عن طاولة القمار الإقليمية ليبلغ الجميع بأن زمن التبعية قد دُفن، وأن معركة العهد الحالي ليست معركة تقاسم مغانم أو مقاعد سلطوية تافهة، بل هي معركة “وجود الدولة” في أسمى تجلياتها.

​هندسة الموقف: بيولوجيا البقاء الحصري

​بالمنطق الحاسم الذي لا يحتمل الرمادية، وضع الموقف الرئاسي الإصبع على الجرح المزمن للكيان اللبناني. فلا يمكن لوطنٍ أن ينهض بجسدٍ يحمل رأسين، ولا أمل بقيام جمهورية تُدار مفاتيح سِلمها وحربِها من خلف الحدود، أو تظل ورقة تفاوض متطايرة على طاولات الآخرين.

​إن حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، ومؤسساتها الشرعية، ليس ترفًا فكريًا أو شعارًا للاستهلاك الإستراتيجي، بل هو خط الدفاع الأخير عن “بيولوجيا البقاء اللبناني”. من هنا، رسم الرئيس خارطة طريق مشرفة، واضعةً مصلحة الشعب اللبناني وسقف سيادته كحصن حصري وحيد، لتؤسس لمرحلة جديدة يُمنح فيها اللبنانيون أخيرًا حقهم الطبيعي في العيش بأمن، استقرار، وكرامة مطلقة.

​استشراف الآتي: ما وراء الأفق السيادي

​تفكيك الأيام المقبلة بناءً على هذا الخط الوجداني والسياسي الحاسم، يكشف أن لبنان ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام مخاض تاريخي وفولاذي تُرسم فيه معالم الهوية الجديدة عبر مسارات غير متداولة:

​أولاً: دبلوماسية “الند للند” وموت الرسائل: في القادم من الأيام، سيسقط دور لبنان كـ”صندوق بريد” يحترق فيه الرسول والمرسل إليه معًا. الخارطة المشرّفة التي طُرحت ستجبر العواصم الإقليمية والدولية على مراجعة حساباتها؛ فلن يجدوا في بيروت بعد اليوم من يوقع صكوك التنازل نيابة عن شعب جاع من أجل عنفوانه. من يريد التحدث مع لبنان، سيتعلم أولاً كيف يطرق باب دولته الشرعية.

​ثانياً: “الفطام التام” عن الاستقواء بالخارج: الأيام الآتية ناطرة مواجهة بيضاء (فكرية وسياسية) لقطع الحبال السرية التي تربط بعض المكونات بالمحاور. ستكون مرحلة “الفطام” صعبة ومكلفة، لكنها الممر الإلزامي لبناء وطن حقيقي. المعادلة الجديدة واضحة وقاسية: من يريد مكانًا في لبنان المستقبل، عليه أن يخلع عباءته الخارجية عند الحدود.

​ثالثاً: تبلور الكتلة التاريخية الحاضنة: الكلمات الرئاسية حرّرت الوعي الجماعي العابر للاصطفافات التقليدية. فالشعب الذي أُنهك بصراعات المحاور أدرك أخيرًا أن “السيادة هي الخبز الحقيقي” والضمانة الوحيدة لعدم تكرار المآسي. سنشهد تحولاً في النبض الشعبي نحو الالتفاف الكامل حول مفهوم الدولة الحاضنة الحصرية.

​القيامة الموعودة

​لقد جفّ حبر المساومات والتسويات المقنّعة، وبدأ حبر السيادة الحقيقية يكتب تاريخًا جديدًا بوقود من العنفوان اللبناني الصرف. الموقف الرئاسي أثبت أن لبنان يمتلك من القوة الكامنة ما يكفي ليستعيد قراره كاملاً غير منقوص.

​الأيام المقبلة ستكون أيام الصمود الساطع والولادة من رحم المعاناة؛ فالقطار السيادي الذي انطلق لن يتوقف في محطات التبعية مجددًا، والشرق بأكمله سيشهد كيف ينهض هذا الوطن، سيدًا، حرًا، يمتلك وحده مفاتيح سلمه، وصواعق حربه، وبوابات مستقبله.

تقرير : رودا بدر

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى