دولةٌ تحت الإقامة الجبرية: حين تصبح العودة إلى الشرعية “خيانة عظمى”!

كتبت رئيسة تحرير lebcnnews رودا بدر : دولةٌ تحت الإقامة الجبرية: حين تصبح العودة إلى الشرعية “خيانة عظمى”!
عملت edit وزبطا
دولةٌ تحت الإقامة الجبرية: حين تصبح العودة إلى الشرعية «خيانة عظمى»
بقلم الصحافية رودا بدر
حين يرتفع سقف الخطاب السياسي إلى حدّ تخوين رأس الدولة لمجرد تمسّكه بميثاقية العيش المشترك ومنطق المؤسسات، فهذا يعني أننا لم نعد أمام خلاف عابر في وجهات النظر، بل أمام أزمة وجودية عميقة؛ أزمة كيان يُراد له أن يبقى معلّقًا على حبال الاستنزاف، ممنوعًا حتى من محاولة التقاط أنفاسه تحت ركام الحروب المفتوحة.
وما شهدناه أخيرًا من تصعيد سياسي وإعلامي يستهدف موقع رئاسة الجمهورية ودور المؤسسات العسكرية والدستورية، تحت ذريعة رفض أي مسار تفاوضي يعيد قرار السلم والحرب إلى الدولة، يكشف عن مفارقة مؤلمة: تُدان الدولة لأنها تحاول التفاوض لحماية شعبها وإنقاذ ما تبقى من وطنها، فيما يُمنح من صادر قرارها الوطني وحمّل اللبنانيين أثمانًا باهظة من الدم والدمار، حقَّ محاكمة الدولة واتهامها بالتفريط!
النقاش اليوم لم يعد ترفًا سياسيًا حول «آليات» حصر السلاح أو «توقيت» بسط سلطة القانون. لقد أصبح هذا المطلب حاجة وطنية وضرورة لبنانية، ومسارًا يحظى بدعم عربي ودولي، لأن الدولة التي لا تحتكر قرار السلم والحرب لا تستطيع أن تحمي مواطنيها، ولا أن تضمن مستقبلهم، ولا أن تمنع تحويل أرضها إلى ساحة لصراعات الآخرين.
والمشكلة لم تعد في العبارات أو المواقف، بل في عقلية سياسية لا تزال تتعامل مع الدولة بوصفها خصمًا لنفوذها، ومع مؤسساتها باعتبارها عائقًا أمام امتيازات اعتادت أن تكون فوق المساءلة. فكل محاولة لإعادة الاعتبار إلى الشرعية تُقابل بالتخوين، وكل دعوة إلى استعادة القرار الوطني تُصوَّر وكأنها استهداف لطائفة أو مكوّن، فيما الحقيقة أبسط من كل هذه التأويلات: لا أحد يستهدف مكوّنًا لبنانيًا، المطلوب هو استعادة الدولة.
إن وصف المساعي الدبلوماسية والتفاوضية بأنها «عار وخيبة»، بينما العار الحقيقي يكمن في ترك اللبنانيين، ولا سيما النازحين والمنكوبين، يدفعون ثمن حروب لم يقرروا خوضها، يعكس انفصالًا خطيرًا عن وجع الناس وعن أبسط حقوقهم في الأمن والاستقرار. فاللبناني الذي خسر بيته أو رزقه أو سنوات من عمره لا يريد خطابات تعبئة جديدة؛ يريد دولة تحميه، ومؤسسات تحمي حقوقه، وقرارًا وطنيًا لا يُنتزع من بين يديه.
ومن هنا، فإن تمسّكنا بالشرعية ليس موقفًا ظرفيًا ولا ورقة تفاوضية. نحن نتمسّك برئاسة الجمهورية، وبالحكومة، وبمجلس النواب، وبالجيش اللبناني، وبكل المؤسسات الدستورية والأمنية التي تشكّل الإطار الشرعي للدولة. نتمسّك بالدولة لأننا نؤمن أن لا خلاص للبنان خارج مؤسساتها، ولا حماية للبنانيين خارج سلطتها، ولا سيادة حقيقية من دون قرار وطني واحد.
وإذا كان هناك من يرفض هذه الشرعية، ويرفض أن يكون السلاح تحت سقف الدولة، ويرفض أن يكون قرار الحرب والسلم في يد المؤسسات الشرعية، ويرفض منطق الدولة الواحدة ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، فعليه أن يدرك أن اللبنانيين لن يتخلوا عن حقهم في حماية وطنهم ومستقبلهم.
نحن نتمسّك بالشرعية لأننا نريد لبنان دولةً واحدةً سيدةً وقادرةً على حماية جميع أبنائها. وإذا أصرّ فريق على رفض الدولة ومؤسساتها، فليُطرح عندها، وبكل وضوح ومسؤولية، خيار الفدرالية كحل سياسي ودستوري يضمن الشراكة، ويحمي الخصوصيات، ويمنع أي مكوّن من فرض إرادته بقوة السلاح على سائر اللبنانيين.
الفدرالية هنا ليست دعوة إلى التقسيم، ولا مشروعًا لضرب وحدة لبنان، بل يمكن أن تكون إطارًا لإعادة تنظيم الشراكة اللبنانية على قاعدة واضحة: سلطة الدولة فوق الجميع، وحقوق المكوّنات مصانة، والقرار الوطني لا يُختزل بيد حزب أو طائفة أو محور خارجي.
لقد سقطت الأقنعة، وأصبح الفرز واضحًا. نحن نريد دولةً قويةً، جامعةً، سيدةً على كامل أراضيها، تحمي مواطنيها وتستعيد قرارها الحر. نريد وطنًا لا يكون ساحةً لحروب الآخرين، ولا صندوق بريد لصراعات الإقليم، ولا رهينةً لأي سلاح خارج سلطة المؤسسات.
ومحاولة نزع الشرعية عن المؤسسات وحصار رئاسة الجمهورية بالتخوين لن تغيّر الحقيقة: لبنان بحاجة إلى استعادة دولته، وإلى إعادة الاعتبار لجيشه ومؤسساته، وإلى قرار سياسي واضح يضع المصلحة اللبنانية فوق كل ارتباط خارجي.
لقد حان الوقت كي يُقال الكلام كما هو: نحن مع الشرعية، ومع الدولة، ومع المؤسسات. وإذا كان حزب الله يرفض الدولة الواحدة وسقف الشرعية، فنحن لن نتراجع عن حقنا في البحث عن صيغة تحمينا وتحفظ شراكتنا، والفدرالية تبقى خيارًا مطروحًا وحلًا ممكنًا أمام انسداد الشراكة الوطنية.
فاللبنانيون لا يريدون شركاء في التعطيل والدمار، ولا يريدون أن يعيشوا أسرى معادلات السلاح والحرب. يريدون وطنًا يحكمه القانون، وتحميه مؤسساته، وتصان فيه كرامة جميع أبنائه.
ولا وطن من دون دولة، ولا دولة من دون شرعية، ولا شراكة من دون احترام متبادل.



