تقاريرخاص LEBCN

مخيَّمٌ للنّازحينَ في الكرنتينا: الغموضُ يُهدِّدُ استقرارَ بيروتَ

مخيَّمٌ للنّازحينَ في الكرنتينا: الغموضُ يُهدِّدُ استقرارَ بيروتَ

 

 

بين “الإجراء الاحتياطيّ” والانفجار المؤجّل: من يحمي بيروت من الفوضى؟

 

أثارَ القرارُ الأخيرُ بتجهيزِ موقعِ الكرنتينا للنازحينَ جدلًا واسعًا في بيروتَ، ليس بسببِ إنشاءِ المخيَّم بحدِّ ذاتهِ، بل بسببِ الغموضِ المصاحبِ له منذ الإعلانِ عنه. مصطلحاتٌ مثلَ “إجراءٌ احتياطيٌّ” و”ليس للاستخدامِ الفوريّ” تركتْ أسئلةً حولَ الهدفِ الفعليِّ للقرارِ، توقيتهِ، وآليةِ تطبيقهِ.

هذا الغموضُ يضعُ العاصمةَ أمامَ اختبارٍ حساسٍّ: كيف يمكنُ إدارةُ ملفِّ النزوحِ الكبيرِ دون أن يتحوَّلَ إلى أزمةٍ اجتماعيّةٍ أو ديموغرافيّةٍ؟

 

قرارُ تجهيزِ الموقعِ يعكسُ حاجةَ الدولةِ إلى استعدادٍ استباقيٍّ، إلا أنَّ غيابَ التفاصيلِ حولَ آليّةِ التنفيذِ وموعدِ الاستخدامِ يتركُ مجالًا للتأويلاتِ والخوفِ من تأثيراتٍ محتملةٍ على المناطق المجاورةِ والخدماتِ العامّةِ. العشوائيّةُ في توزيعِ النازحينَ قد تؤدّي إلى ضغوطٍ إضافيّةٍ على البنيةِ التحتيّةِ، وتوتّرات اجتماعيّةٍ قد تهدّدُ الاستقرارَ المحليّ.

المخاطرُ لا تتوقّفُ عندَ الجانبِ اللوجستيّ، بل تشملُ احتمالاتِ استغلالٍ أيّ فراغٍ إداريٍّ من قِبلِ جهاتٍ خارجيّةٍ أو محليّةٍ مسلّحةٍ، قد تستفيدُ من أيِّ خللٍ لإعادةِ التموضعِ أو توسيعِ نفوذها داخل العاصمة. إدارةُ الملفِّ بحاجةٍ إلى رؤيةٍ سياديّةٍ واضحةٍ، تحكمُها معاييرُ دقيقةٌ تشملُ الجانبَ الأمنيَّ والاجتماعيَّ والاقتصاديَّ، مع إشرافٍ مباشرٍ من الجيشِ والقوى الأمنيّةِ المختصّة.

أهميةُ التواصلِ الرسميِّ اليومَ لا تقلُّ عن اتخاذِ القرارِ نفسهِ. رئاسةُ مجلسِ الوزراء ووحدةُ إدارةِ مخاطرِ الكوارثِ مطالبةٌ بتقديمِ معلوماتٍ دقيقةٍ، توضّحُ الغايةَ من الموقعِ، إجراءاتِ السلامةِ، ومراحلَ التنفيذِ المحتملةِ. الشفافيّةُ ضروريةٌ لإزالةِ أيِّ لبسٍ أو قلقٍ شعبيٍّ، والحفاظِ على الثقة بين المواطنينَ والدولةِ، منعًا لردودِ فعلٍ قد تتحوَّلُ إلى أزماتٍ داخليّةٍ لا يمكنُ احتواؤها.

عدمُ اتّخاذِ القرار الحاسمِ أو المراوغة في إدارةِ الملفِّ قد يكونُ أخطرَ من أيِّ خطأٍ ماديٍّ، إذ يؤدي إلى شعورِ المواطنينَ بأنَّ الدولةَ غائبةٌ، ما يفتحُ المجالَ أمامَ تدخّلِ قوى غيرِ شرعيةٍ، ويهدّدُ الاستقرارَ الاجتماعيَّ والديموغرافيَّ. العاصمةُ تحتاجُ إلى استراتيجيّةٍ واضحةٍ، توازنُ بين الإنسانيّةِ والواقعيّةِ، دون أن تتحوَّلَ الإجراءاتُ الاحترازيةُ إلى أزماتٍ مفتوحةٍ.

 

قرارُ تجهيزِ موقعِ الكرنتينا يحملُ إمكانيّات مواجهةَ الطوارئ، لكنّه يواجهُ اختبارًا حقيقيًّا في طريقةِ الإدارةِ والتواصل. بيروتُ بحاجةٍ إلى رؤيةٍ حازمةٍ، وواضحةٍ، تمنعُ أيَّ استغلالٍ محتملٍ وتكفلُ استقرارَ العاصمة. الغموضُ أو التأجيلُ لم يعدْ خيارًا، والاستقرارُ الاجتماعيُّ والأمنيُّ يعتمدُ على القرارِ الوطنيِّ الجريءِ الذي يضعُ مصلحةَ لبنانَ فوقَ أيِّ اعتبارٍ آخر، ويعيدُ الهيبة للدولةِ وسيادة القانونِ.

رودا بدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى