متفرقات

مكافَحة التّحرُّش… أين الإعداد المدرسيّ؟

تبدو اليوم ظاهرة تحرُّش الكبار بالصّغار متصدِّرة المشهد الاجتماعي، لا سيّما بعد انتشار أخبار مؤكَّدة عن هذه الظاهرة، سواء من خلال جماعة التيك توك الملاحَقة قضائيّا، أو من خلال المؤسّسات الاجتماعيّة، والخيريّة، والتّربويّة…

وأمام هذا الواقع الدّاعي إلى إجراءات سريعة، وإرشاد يستند إلى المعرفة والاختصاص والصّراحة، يُلاحَظ أنّ بعض المدارس في جوّ من القلق والاضطراب، رغم أنّ المعلّمين، بسَوادِهم الأعظم، يتمتّعون بالرّقيّ، والحسّ الإنسانيّ اللّافت.

فالمسألة ذات شِقِّين: أحدُهما يتعلّق بالإدارات، وضرورة إيلاء زاوية شخصيّة المعلّم الأهمّيّة الأولى، وتحديدًا قَبْل السّماح له بالانخراط في سِلك التّعليم. ولا تقف الأمور عند هذا الحدّ، فمِن الضّروريّ الاستمرار في مُتابَعته. فليست كلّ الإدارات على تَواصُل وِجاهيّ دائم مع جميع المعلّمين والموظّفين، وفي الوقت نفسه، نحن أمام طلّاب لا يعرفون تماما ما هو التّحرُّش، وكيف يكون كلامًا أو لمسًا أو نظرًا… 

إنّ هذا الكلام لا ينتقص من كرامة أيّ معلّم، إنّما يعزّز حضور المربّي والشعور بالأمان في وجوده. وكما ذكَرنا، إنّ أغلبيّة المعلّمين الساحقة  لا يرقى إليها الشكّ.

أمّا الشّقّ الثاني فيتعلّق بالطالب والمعلّم في الوقت نفسه. ولا شكّ في أنّ الكثيرين من المعلّمين اليوم لا يعرفون متى يصِير الكلام أو الاحتكاك تحرُّشًا. فعلى سبيل المثال: هل المُصافَحة باليد، أو التّربيت على الكتف تحرُّش؟…

أسئلة كثيرة في هذا الإطار يحتاج الطالب والمعلّم أيضا إلى أن يعرفاها.

لم يعُدِ المعلّم يَشعُر بسهولة المرور بين مقعدَين في الصّفّ، خِشيةَ الاحتكاك غير المقصود، وكذلك الطالب، فإنّه أصبح يشعر بأنّ المسائل بينه وبين المعلّم يجب أن تحصل من بُعد. وبكلّ تأكيد، إنّ مِثل هذا الواقع غير مقبول، لأنّ المدارس من أرقى الأماكن للتّلاقي والتفاعل بمنتهى الحضارة والإنسانيّة. ولا شيء غير المعرفة يساعد على إبقاء الأمان سيّد الأمكنة، وفي مقدّمتها المدرسة.

قد تكون المدارس هي أقلّ الأماكن المعرّضة للاجتياح من ظاهرة التحرّش، لكنّ حمايتها منها ضرورة ملحّة قبل حماية أيّ مكان آخر، باعتبارها الحضن الآمن المُعادِل لِحِضن الأهل، وهذا الكلام ينسحب على المؤسّسات الخيريّة والاجتماعيّة والدينيّة بالقدر عينِه.

إنّ إثارة هذه القضيّة بوضوح لا تعني أنّ المدارس في أزمة مع ظاهرة التّحرُّش، إنّما هناك واجِب تربويّ لمزيد من تحصين المدرسة، بهدف بقائها الملاذ الأكثر سلاما وأمانا.

وأين الخطأ في المحاضرات والنّدوات المتخصّصة، وإعداد المعلّمين في هذه المسألة تحديدا، إضافة إلى إعداد الأهل والطلّاب والإدارات والموظّفين؟

إنّ الإلمام المعرفيّ الرّصين بالتحرّش لن يخدم المدارس فقط، بل سيتعدّى نفعُه ناسَها إلى كلّ الميادين الحياتيّة، إذًا، إنّ الإعداد، تربويّا، ضمن إطار المدرسة، ليس على سبيل الاتّهام لأحد -لا سمح الله- إنّما هو خطوة مفيدة ومُلِحّة نحو مجتمع يعيش فيه أولادنا بسلام

المصدر : السياسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى