السلام المؤجّل تحت النّار: عندما تكون الجغرافيا العربيّة بريدًا لـ “صراع الكبار”

السلام المؤجّل تحت النّار: عندما تكون الجغرافيا العربيّة بريدًا لـ “صراع الكبار”
بقلم رئيسة تحرير lebcnnews : رودا بدر
لم يكن مشهد النزوح الأخير من قرى قضاء صور، واكتظاظ طريق صيدا-بيروت بالعائلات الباحثة عن أمانٍ مؤقت، مجرد جولة حرب أخيرة أو خرقٍ لاتفاقٍ هشّ. إن حرمان هذه البيئة من “فرحة الاحتفال” وغياب الرصاص التقليدي فوق العاصمة بيروت، لم يكن انضباطاً ذاتياً، بل كان استشعارًا شعبيًّا عميقًا بأنّ ما حدث ليس تسويةً نهائيّة، بل هو مجرد التقاط أنفاس في حريقٍ إقليمي أكبر بكثير من حدود لبنان .
خرائط الدم وثروات الغاز: الاتفاق غير المعلن
خلف دخان القذائف في الجنوب اللبناني، تُطبخ تسويات وتوزيع حصص على الطاولات الدولية المغلقة. ما يبدو في العلن صراعًا مستميتًا بين واشنطن وموسكو، يتكشف في كواليس “جيوبوليتيك الثروات” عن تقاطعات ومصالح مشتركة؛ حيث يبدو أن هناك تفاهمات ضمنية (أمريكية-روسية) لرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، قائمة على تقاسم النفوذ والسيطرة على ممرات الطاقة وثروات الغاز والنفط في حوض المتوسط، ومنع تمدد التنين الصيني ومشروعه العملاق (الحزام والطريق) نحو الغرب.
من أوكرانيا إلى غزة: حرب السيطرة على “معادن المستقبل”
ولفهم أبعاد هذه اللعبة، لابد من ربط حريق الشرق الأوسط بحرب أوكرانيا؛ فالصراع هناك لم يكن منفصلاً عن المصالح الأمريكية، بل لعلّه هُندس لخدمتها. في وقتٍ استنزفت فيه الصين معظم المعادن النادرة في العالم لبسط سيطرتها المطلقة على صناعة السيارات الكهربائية والتكنولوجيا الذكية، تحولت روسيا وأراضي أوكرانيا الشرقية إلى الهدف الأثمن، كونهما تسبحان فوق تريليونات الدولارات من الليثيوم، النيكل، والبالاديوم—وهي العصب المغذي لبطاريات المستقبل. هنا يبرز الدور المرسوم لإدارة دونالد ترامب: تحويل الضغط العسكري والعقوبات على موسكو إلى “صفقة تجارية كبرى”، تُجبر فيها روسيا على توقيع اتفاقيات تضمن تدفق هذه المعادن الحيوية إلى الشركات الأمريكية، لكسر الاحتكار الصيني وتأمين قيادة واشنطن للاقتصاد العالمي الجديد.
أحجار الدومينو: من أنقرة إلى صحراء سيناء
في هذه اللعبة الأمريكانية الكبرى، تتساقط أحجار الدومينو تباعاً، ولا توجد دولة حصينة:
تركيا (أردوغان): لن تكون بمنأى عن العاصفة. فالأدوار التي لُعبت في العقد الماضي—ومنها اتهامات دعم الجماعات المتطرفة كـ “داعش” لتغيير ديموغرافيا المنطقة—تتحول اليوم إلى ذريعة جاهزة للاستخدام ضد أنقرة. قد لا يمضي وقت طويل قبل أن تجد تركيا نفسها تحت النار، سواء عبر ضربات مباشرة أو بتفجير جبهاتها الداخلية لتأديب طموحاتها وإعادتها إلى الفلك الغربي.
مصر (مخطط سيناء): أما الشقيقة الكبرى مصر، فيبدو أن “وقتها قد حان” في أجندة التفكيك والتركيب. فالأزمات الاقتصادية المركّبة التي تحاصر القاهرة ليست إلا أداة ضغط وتطويع، تمهيداً للمخطط الأخبث: تحويل “صحراء سيناء” إلى ملاذ بديل لتوطين الفلسطينيين. هذا السيناريو المطروح خلف الكواليس يضرب عصفورين بحجر واحد؛ يصفّي القضية الفلسطينية نهائيًا على حساب الجغرافيا المصرية، ويقحم مصر في أتون صراع ديموغرافي وأمني يستنزف قدراتها، ويمنعها من التحول إلى قوة اقتصادية مهيمنة على غاز المتوسط.
إن ما يشهده لبنان والمنطقة ليس صراعًا على “أمتارٍ حدودية”، بل هو مخاض ولادة نظام عالمي جديد؛ لعبة أمم قاسية تُستخدم فيها الشعوب كوقود، وتُقايض فيها الأوطان بالديون، وتُدمر فيها المدن لإعادة توزيع ثروات الأرض—من غاز ونفط ومعادن حيويّة—على حساب دماء أهلها.



