خاص LEBCNسياسة

بين تكنولوجيا بكين وصواريخ الحزب: لبنان ضحيّة “المقايضة الكبرى”

بين تكنولوجيا بكين وصواريخ الحزب: لبنان ضحيّة “المقايضة الكبرى”

​بقلم رئيسة تحرير lebcnnews : رودا بدر

​بينما ننشغل هنا، في زواريب الشرق الأوسط، بإحصاء القذائف وتتبّع مسار المسيّرات فوق رؤوسنا، وبينما ينام الجنوب اللبناني على قلق الصواريخ ويستيقظ على دخان المواجهات، كانت طائرة الرئاسة الأميركيّة تحطّ في بكين حاملةً معها “جنرالات” من نوع آخر. لم يرافق ترامب قادة أركان الجيوش التقليديين، بل اصطحب “ملوك الأرقام” وجبابرة التكنولوجيا: إيلون ماسك وجنسن هوانغ وتيم كوك.

​هذا المشهد ليس مجرد بروتوكول سياسي، بل هو إعلان رسمي عن تحوّل المعركة العالميّة من “صراع حدود” إلى “صراع عقول” وسيطرة رقميّة.

​البازار الكبير: المقايضة فوق الرماد

​لا يحتاج المرء لجهد كبير ليدرك أن “نار إيران” المشتعلة في المنطقة ليست إلا ورقة ضغط ذهبيّة في حقيبة ترامب التفاوضيّة. في بكين، لا يتحدّثون عن السلام حبًّا بالاستقرار، بل لأن “التنين الصيني” يدرك أن أيّ انفجار في مضيق هرمز يعني شللاً في مصانعه وتعطيشًا لماكينته الاقتصاديّة. وهنا تكمن اللعبة الخطرة: هل يبيع “الكبار” استقرار منطقتنا مقابل حفنة من “الرقائق الإلكترونيّة”؟ هل تُقايض واشنطن نفوذ طهران بتنازلات صينيّة في عالم الذكاء الاصطناعي؟

​“الوكلاء” في خدمة الأجندات الغريبة

​ولكن، لا يمكن قراءة هذا “البازار” دون الالتفات إلى الأدوات التي مهّدت له؛ فالحزب، بصفته الذراع الأبرز لإيران، لعب دور “المبرر” لهذا الصراع، بل وقاده ليُشعل النيران في أرض لبنان تحت مسميّات “المساندة” المزعومة. الحقيقة المُرّة التي يهرب منها الكثيرون هي أنه لولا هذا “الفصيل المحظور” وارتباطاته العابرة للحدود، لما فُرض على لبنان أن يكون صندوق بريد لرسائل طهران وواشنطن.

​لقد أُقحمنا في صراعات إقليميّة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وبدلاً من أن ننافس دول “عالم الشمال” في التقدّم التكنولوجي والاقتصادي، تراجعنا سنوات إلى الخلف. لقد حوّل الحزب قرار الحرب والسلم إلى ورقة بيد “الولي الفقيه”، مما جعلنا نكتفي بالبقاء على قيد الحياة، بينما كان بإمكان لبنان، بطاقاته وعقوله المبدعة، أن يكون شريكًا في هذا القرن الجديد، لا مجرّد ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

​التكنولوجيا هي “الأيديولوجيا” الجديدة

​لقد تغيّرت قواعد اللعبة؛ فوجود “إيلون ماسك” خلف ترامب يرسل رسالة واضحة: “المستقبل ليس لمن يملك أكبر ترسانة صواريخ مخزنة في الأنفاق، بل لمن يملك أسرع خوارزمية وأقوى رقاقة سيليكون”.

الصين تريد “الرقائق” لتقود العالم، وأمريكا تريد خنق خصومها التكنولوجيين عبر بوّابة الطاقة والتوتّرات الجيوسياسيّة. وفي الوسط، تظلّ “أذرع إيران” تمارس دور الهدم الذي يخدم هذه الصفقات الكبرى من حيث تدري أو لا تدري.

​هل فاتنا القطار؟

​ يذهب ترامب إلى بكين ليضمن تفوّق بلاده، وتناور الصين لضمان مصالحها، وتبقى إيران تستخدم “أذرعها” لتثبيت وجودها على طاولات التفاوض. أما لبنان، فيبقى الضحية الكبرى لهذا المحور الذي يرى في أرضنا مجرّد “متراس”.

 لقد آن الأوان لندركَ أن ّالارتهان للخارج لم يجلبْ لنا سوى الدمار، وأنّ حلم الانضمام إلى ركب الدول المتقدمة لن يتحقّق طالما بقينا رهينةً لقوى ترى في الوطن مجرّد ساحة بريد بائسة. في صراع الجبابرة، لا تُبنى التحالفات على المبادئ، بل على المصالح المارقة التي تمرّ دائمًا فوق جراحنا النازفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى