خاص LEBCNسياسة

​بين ثغور الجنوب وكراسي بيروت: هل يضحي حزب الله بالبلد لحفظ الهيمنة؟

*​بين ثغور الجنوب وكراسي بيروت: هل يضحي حزب الله بالبلد لحفظ الهيمنة؟*

 

​بقلم: رئيسة تحرير LebCN News – الأستاذة رودا بدر

 

​في كلّ مرّة تشتعل فيها الجبهة الجنوبيّة للبنان، يطرح اللبنانيّون على أنفسهم السؤال الوجودي ذاته: ما هو الهدف الحقيقي والنهائي من هذه الحروب؟

​بينما يصرّ الحزب ومنظومته الإعلامية على تسويق مصطلحات مثل “جبهات المساندة”، “حماية الحدود”، و”ردع إسرائيل”، يرى شقّ واسع من اللبنانيين والمراقبين السياسيين مشهدًا مغايرًا تمامًا خلف الدخان والرماد. تنطلق هذه الرؤية النقدية من فرضيّة أساسيّة وصادمة: إن الخسارة الأكبر التي يخشاها الحزب ويستنفر كل قوته لمنعها ليست خسارة القرى أو تدمير البنى التحتيّة في الجنوب، بل هي خسارة “فيتو الهيمنة” والسيطرة السياسيّة والأمنيّة على القرار المركزي في العاصمة بيروت. ومن أجل الحفاظ على هذه السيطرة المطلقة، يبدو الحزب مستعدًّا للذهاب إلى أبعد الحدود، حتّى لو عنى ذلك ألّا يَبقى في هذا الوطن “حجرٌ على حجر”.

​الجنوب كـ “ساحة” والداخل كـ “حصن”

​تاريخيًّا، نجح حزب الله في صياغة معادلة دعائية ربطت بين وجود سلاحه وحماية الطائفة والشعب. لكن القراءة النقديّة الرصينة لسلوكه السياسي والميداني، خاصّة بعد عامي 2000 و2006، تشير إلى تحوّل جذري في الأولويات؛ حيث تبرز اليوم “الأيديولوجيا العابرة للحدود” لتؤكد أنّ الحزب لا يتعامل مع الجنوب اللبناني كأرض وطنية نهائية بالمعنى السيادي التقليدي، بل كمجرد “ساحة” أو جبهة جغرافية في مشروع إقليمي أوسع تديره إيران (محور المقاومة). بناءً على ذلك، تصبح التضحيات الجغرافيّة والبشريّة الهائلة في الجنوب مجرد تفصيل رقمي في استراتيجيّة كبرى لا تخدم بالضرورة المصلحة اللبنانية.

​في المقابل، يمثل الداخل اللبناني وتحديداً العاصمة بيروت “الحصن الوجودي” للحزب. فالقوة الحقيقيّة للمنظومة لا تكمن فقط في أنفاق الجنوب ومنصات صواريخه، بل في قدرتها على تعطيل الدستور، فرض رئيس الجمهوريّة، السيطرة على المرافق الحيوية كالمطار والمرفأ، وتأمين غطاء شرعي رسمي يحمي السلاح من المحاسبة. وإذا سقطت هذه الهيمنة الداخليّة، سيتعرى السلاح ويصبح معزولاً ومحاصرًا قانونيًّا وشعبيًّا، وهو ما يرعب الحزب أكثر من أي غارة إسرائيلية.

​معادلة “الأرض مقابل النفوذ”: 7 أيار نموذجاً مستداماً

​يفسر المحللون عبارة “لن يُبقي حجراً على حجر” من خلال مراجعة سلوك الحزب التاريخي كلما شعر بالتهديد الوجودي لنفوذه السياسي. السوابق التاريخية تؤكّد أنّ هذا السلاح يرتدّ إلى الصدور في الداخل فوراً إذا اهتزت توازنات السلطة لصالح الدولة.

​ويظل حدث “7 أيار 2008” النموذج الأبرز؛ فعندما حاولت الحكومة اللبنانية آنذاك مسّ شبكة اتصالات الحزب السلكية وأمن المطار، لم يتردّد في توجيه فوهات بنادقه نحو بيروت والجبل واحتلال العاصمة عسكرياً. كانت الرسالة المكتوبة بالدم واضحة: “أمن نفوذنا ومكتسباتنا خطّ أحمر، والاستقرار الداخلي والسلم الأهلي ثمن رخيص للحفاظ عليه”.

​في الظروف الحاليّة المأزومة، إذا استشعر الحزب أنّ تدمير الجنوب قد يؤدّي إلى إضعاف موقفه سياسيًّا في الداخل، أو أنّ هناك قوى محليّة وسيادية تستعدّ لـ “تسييل” الخسارة العسكرية لتقليص نفوذه وإعادته إلى حجمه الطبيعي، فإن ردّ فعله قد يكون شمشونيًّا على قاعدة (“عليّ وعلى أعدائي”). هذا الرد قد يتجلّى في مسارين كارثيين:

​التعطيل الشامل للمؤسسات: عبر الإمعان في شلّ الحكومات، ومنع قيام سلطة تنفيذية أو انتخاب رئيس للجمهورية، وإغراق البلاد في فراغ دستوري وتجويعي تامّ.

​التهديد الأمني المباشر: استخدام فائض القوة العسكرية لترهيب الخصوم السياسيين في الداخل، وقمع أي محاولة وطنية لتغيير قواعد اللعبة أو تطبيق القرارات الدولية (مثل القرار 1559 أو 1701) بالقوة.

​البيئة الحاضنة وتكلفة “إعادة الإعمار السياسي”

​ثمة بُعد اجتماعي واقتصادي خطير لهذه المعادلة، فالخراب والدمار الذي يلحق بالجنوب والبقاع والضاحية نتيجة الحروب لا يُشكل عبئاً على الحزب، بل يُترجم دائمًا في قاموسه السياسي كأداة متجددة لفرض الهيمنة عبر آليتين:

​احتكار قرار الإعمار: من خلال تدفّق الأموال الخارجية غير الخاضعة لرقابة الدولة، يعيد الحزب بناء ما تهدم بآلياته الخاصة (مؤسسة جهاد البناء وغيرها)، مما يعزّز ربط البيئة الحاضنة به اقتصاديًّا ومعيشيًّا ويلغي دور الدولة تماماً. الخراب هنا لا يضعفه، بل يجدّد حاجة الناس الوجودية إليه كـ “مُعيل وحيد”.

​استغلال المظلومية واستثمار الدم: يتم تحويل خسارة الحجر والبشر في الجنوب إلى “رأسمال رمزي” وورقة ابتزاز سياسي وعاطفي تُرفع بوجه الطوائف والمكونات الأخرى في بيروت، تحت شعار دائم: “نحن من ضحينا ودُمّرت بيوتنا وحمينا البلد، وعليكم اليوم دفع الثمن السياسي لنا في محاصصة السلطة والقرار”.

​سيناريو “الأرض المحروقة” لتفصيص الدولة

​عندما تضيق الخيارات أمام الحزب بين تقديم تنازلات داخليّة حقيقية (كالقبول بمنطق الدولة، تسليم السلاح، أو الخضوع للمحاسبة القانونية) وبين استمرار انهيار البلد، فإنه يختار بلا تردد خيار الانهيار الشامل.

​إن سياسة “عدم إبقاء حجر على حجر” لا تقتصر على الدمار العسكري الميداني، بل تعني بشكل أدق تفصيص وتفكيك الدولة اللبنانية ككيان ومؤسسات:

​ضرب ما تبقى من القطاع المصرفي والقضاء لتعطيل المحاسبة.

​عزل لبنان بالكامل عن محيطه العربي وعمقه الدولي وتحويله إلى جزيرة معزولة.

​تشريع الاقتصاد الموازي القائم على تبييض الأموال، التهريب، والأنشطة عبر القنوات غير الشرعية.

​هذا التدمير المنهجي لبنية الدولة يخدم الهيمنة بشكل مباشر؛ لأن حزب الله، كأي تنظيم عقائدي مسلح، يزدهر ويتمدد في البيئات الضعيفة والمفككة والمفقرة، بينما تشكل “الدولة القوية، القادرة والعادلة” التهديد الحقيقي والوحيد لمشروعه العابر للحدود.

​

​إن الخشية الحقيقيّة والداهمة اليوم هي أن الحزب، وفي سبيل الحفاظ على مكتسباته الإقليميّة وأدوات هيمنته المحليّة، يبدو مستعدًّا لرهن مصير الشعب والبلد بكامله. الجنوب بالنسبة له مجرد جبهة عسكريّة متقدمة، خسائرها قابلة للتعويض والترميم بالمال السياسي، أمّا السيطرة على بيروت وقرارها فهي خطّ الدفاع الأخير عن الوجود والمشروع.

​وبناءً على هذه العقيدة البرغماتية المتشدّدة، يصبح كل شيء في لبنان — من الحجر إلى البشر، ومن الاقتصاد إلى الدستور والمؤسسات — مجرد أوراق تفاوضيّة على الطاولة، أو خسائر جانبيّة مقبولة في معركة الحفاظ على السلطة الكبرى.

​

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى