كواليس مفاوضات البنتاغون: اختبار الثقة الصعب بين متطلبات لبنان والضغوط الأميركية-الإسرائيلية.

كواليس مفاوضات البنتاغون: اختبار الثقة الصعب بين متطلبات لبنان والضغوط الأميركية-الإسرائيلية
شهدت العاصمة الأميركية واشنطن حراكاً أمنياً بارزاً عُدَّ الأهم منذ تصاعد العمليات العسكرية في الثاني من مارس الماضي؛ حيث استضاف مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جولة مفاوضات عسكرية مباشرة وغير مسبوقة بين وفدين من الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية مكثفة. وتأتي هذه الخطوة لتشكل اختباراً حقيقياً ومفصلياً لمستقبل الجبهة الجنوبية، ومحاولة لترسيم معالم الحل السياسي والأمني المرتجى وسط احتدام الميدان.
أجندة الوفد اللبناني: ثلاثة مطالب وشروط للتنفيذ
دخل الوفد العسكري اللبناني، برئاسة مدير العمليات العميد الركن جورج رزق الله وبمواكبة دبلوماسية من السفيرة ندى معوض حمادة، أروقة البنتاغون بخطط تفصيلية وردود جاهزة لمواجهة الطروحات الإسرائيلية. وتركزت الاستراتيجية اللبنانية حول ثلاثة مطالب أساسية:
- الانسحاب الإسرائيلي الشامل من كافة الأراضي والمواقع التي جرى التوغل فيها مؤخراً (والتي تجاوزت 60 قرية).
- وضع جدول زمني ملزم ومحدد لإتمام هذا الانسحاب.
- تأمين عودة آمنة وفورية للمهجرين إلى بلداتهم.
في المقابل، أبدى الجانب اللبناني التزام المؤسسة العسكرية بإعادة الانتشار جنوب نهر الليطاني واستكمال خطة “حصر السلاح وبسط سلطة الدولة” في مرحلتها الثانية. إلا أن الوفد اللبناني ربط بوضوح بين البدء الفعلي بتنفيذ خطة نزع السلاح وبين الوقف الشامل لإطلاق النار؛ معللاً ذلك باستحالة الدخول في مواجهة مع “حزب الله” تحت وطأة الغارات الإسرائيلية المستمرة، تجنباً لإظهار الجيش بمظهر الشريك في العمليات العسكرية ضد الحزب، وحفاظاً على التماسك الداخلي. كما طرح الوفد حاجة الجيش اللوجستية لمعدات متطورة وهندسية لمعالجة مخلفات الحرب والوقاية من الألغام.
أسئلة حرجة وتبادل للاتهامات الأمنية
لم تخلُ الجلسات، التي ترأس الجانب الإسرائيلي فيها العميد عميحاي ليفين بحضور السفير يحيئيل ليتر، من محطات وصفت بالحرجة. فقد واجه الوفد اللبناني تساؤلات أميركية وإسرائيلية حادة حول أسباب الفراغ الأمني الذي سمح لمقاتلي “حزب الله” بإعادة التموضع جنوب الليطاني وإدخال أسلحة جديدة، بعد أن كان الجيش قد أعلن سابقاً خلو المنطقة من السلاح الثقيل.
وجاء التوضيح اللبناني ليحمل الجانب الإسرائيلي مسؤولية هذا الخلل؛ موضحاً أن القصف الإسرائيلي العنيف أجبر وحدات الجيش على التراجع مسافة 10 كيلومترات عن مواقعها السابقة، مما خلق فراغاً ميدانياً استغله الحزب لإعادة الانتشار ونزع حواجز المراقبة. وأكد الوفد اللبناني أن قيادة الجيش تمتلك الإرادة الكاملة لتنفيذ القرارات الحكومية الصادرة في عام 2025 و2026 والتي تحظر الأنشطة المسلحة وتعتبرها خارجة عن القانون، شريطة توفر الغطاء السياسي الجامع والإمكانات العسكرية اللازمة.
معركة إعادة بناء الثقة وفرصة واشنطن الأخيرة
تكتسب هذه الجولة العسكرية أهمية مضاعفة كونها توطئة أساسية للمفاوضات السياسية الشاملة المزمع عقدها في مطلع يونيو المقبل. وتؤشر القراءات الدبلوماسية المستقاة من أروقة واشنطن إلى أن الإدارة الأميركية الحالية تضيق ذرعاً بما تراه “مماطلة لبنانية”، وأن صبر إدارة الرئيس دونالد ترمب لن يطول في غياب خريطة طريق واضحة وموقعة التزاماً من الجيش اللبناني لإنهاء ملف السلاح.
وتبرز في هذا السياق أزمة ثقة عميقة عبّرت عنها أوساط أميركية، تلمح إلى أن التحركات اللبنانية الأخيرة لحصر السلاح لم تكن نابعة من إرادة سياسية مستقلة، بل جاءت تحت ضغط الضربات الإسرائيلية التي أضعفت البنية التحتية للحزب (وهو ما تم التلميح إليه علناً خلال جولة السفراء في ديسمبر 2025).
خلاصة المشهد:
يجد لبنان نفسه اليوم أمام اختبار وجودي؛ فإما أن تنجح مؤسسته العسكرية في تقديم خطة تنفيذية مقنعة تؤسس لأرضية صلبة يبنى عليها الحل الدبلوماسي في يونيو، وإما أن تفقد واشنطن ثقتها بالكامل في قدرة بيروت على فرض سيادتها، مما يترك الميدان مفتوحاً لمزيد من التصعيد المفتوح. وبحسب الخبراء، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بمدى توفر الغطاء الإقليمي، وتحديداً الموقف الإيراني من مسألة سلاح الفصائل في المنطقة.



