سياسة

غسان صليبي : اشكاليات انتخابية : السلاح ، المقاطعة ، كلن يعني كلن

كتب غسان صليبي في النهار :

إشكاليات إنتخابيّة: السلاح، المقاطعة، “كلّن يعني كلّن”

هناك العديد من الإشكاليات التي تُطرح في إطار الإنتخابات النيابيّة المقبلة، خاصة في أوساط المجموعات المعارضة للسلطة. اخترت ثلاثا منها سأتناولها على التوالي، وهي: الموقف من سلاح “حزب الله” ومقاطعة الانتخابات والتعامل مع شعار “كلّن يعني كلّن”.

1-العداوة التكوينيّة بين الإنتخابات والسلاح

يجري نقاش في اوساط مجموعات المعارضة حول أهمية او عدم أهمية طرح موضوع سلاح “حزب الله” في البرامج الانتخابية. المسألة تبدو لي أعمق وأخطر من ذلك، ويجب مقاربتها بطريقة اشمل.

فبحسب علم السياسة، تعبّر نتيجة الإنتخابات النيابيّة أو الرئاسيّة، عن “الإرادة الوطنيّة” من خلال أصوات المواطنين الذين يؤدّون حقّهم الإنتخابي بحريّة تامّة وبعيدًا من كل أشكال الإكراه ولا سيّما إستخدام السلاح. لم تتطوّر الإنتخابات بمعناها هذا إلاّ بعد أن جرى احتكار الدولة لحق استخدام السلاح.

تُطرح الإشكاليّة في لبنان، بوجود قوى مسلّحة، في مقدمها “حزب الله”، تُشارك في الإنتخابات، مما يمس بحريّة الإنتخاب وتاليًا بعمليّة التعبير عن “الإرادة الوطنيّة”.

المسألة تتعقّد أكثر إذا علمنا انه لا يحقّ للقوى العسكريّة الرسميّة المشاركة في الإنتخابات، في حين يعطى هذا الحق لقوى عسكريّة غير شرعيّة. حتى في حال اعتبار سلاح “حزب الله” شرعيا بحكم تغطية الحكومات المتعاقبة له، يبقى التمييز بينه وبين القوى العسكريّة الرسميّة قائمًا.

المفارقة، المرعبة سياسيا بحسب إعتقادي، هي أن “حزب الله” جعل حماية سلاحه قضيّة القضايا في سياق الحملات الإنتخابيّة، متهما خصومه بأن هدفها الاول هو تجريده من هذا السلاح، معتبرا الانتخابات “حرب تموز سياسية”. أي ان السلاح، الذي يُفترض ان تحييدَه شرط أساسي من شروط صحة الإنتخابات، قد أصبح بقدرة قادر عنوانا لها. كأن المطلوب، ليس حماية السلاح فحسب، بل إلغاء معنى الانتخابات من خلال الانتخابات.

-2 مقاطعة الإنتخابات أم مقاطعة السلطة؟

يدعو البعض الى مقاطعة الإنتخابات بحجة ان المشاركة فيها اعتراف بالسلطة التي تنظّمها. يستمدّ هذا المنطق مشروعيته من ان “ثورة 17 تشرين” ثارت على السلطة وهدفت الى إسقاطها فكيف تريدونها ان تعود وتقبل بالمشاركة في انتخابات تنظّمها هذه السلطة نفسها؟

منطق المقاطعة لا يستقيم إلاّ إذا توافرت له ثلاثة شروط: أولاً، ان يكون ما حصل في 17 تشرين هو ثورة وليس انتفاضة؛ ثانيًا، ان تكون هذه الثورة لا تزال قائمة؛ ثالثًا، ان يتبع المقاطعة عدم اعتراف بالسلطة التي ستُنتخب، بجميع الطرق المتاحة. الشروط الثلاثة مشكوك في توافرها. يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت مقاطعة الإنتخابات ستتحول الى مقاطعة السلطة المنتخبة، والا أتاحت هذه المقاطعة المزيد من الدعم للسلطة القائمة.

-3 ضدهم “كلّن يعني كلّن”؟

سبق لي وأشرت في نصوص سابقة الى ثلاث مسائل متعلقة بشعار “كلن يعني كلن”: الأولى، ان هذا  الشعار كان وليد ظروف تاريخيّة، أُطلق للمرة الأولى أبان تحرّك هيئة التنسيق النقابيّة التي اكتشفت في حراكها ان “كلّن” يقفون في وجهها، من ثم جرى تبنيه في حراك 2015 ومن بعده في انتفاضة 17 تشرين.

الثانية، ان هذا الشعار كان فعّالاً في بداية الإنتفاضة، في وجه حكومة “الوحدة الوطنيّة” التي كانت تضم في حينه “كلن يعني كلن” ويرأسها سعد الحريري، وقد أدّى ذلك الى إسقاطها. لكن بعد سقوط الحكومة وتأليف حكومة جديدة من بعض أطراف “كلّن يعني كلّن” وليس منهم جميعا، راح الشعار يفقد دلالاته الملموسة وفعاليته السياسية.

الثالثة، أن شعار “كلّن يعني كلّن” يصلح لتحديد “مسبّبي” الأزمة منذ 1990 وربما قبلها، لكنّه عاجز عن تحديد المسؤوليّة السياسية عن معالجة هذه الازمة اليوم، وهذا هو الاهم في انتخابات نيابية تتوخى انتاج سلطة قادرة على إخراج البلاد من الانهيار الحاصل.

إن خوض المعارضة السياسية للمعركة الإنتخابيّة تحت هذا الشعار يضعف وضوح رؤيتها للمرحلة الحالية وبالتالي فعّاليتها السياسيّة، خاصةً في ظل واقع ان “كلّن يعني كلّن” يخوضون منافسات شرسة بعضهم ضد بعض. فمع الاقرار بوجود مصالح مشتركة بين “كلن يعني كلن” الا انه من العماء السياسي عدم رؤية الاختلاف في مشاريعهم، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والوطنية والثقافية. من المرجح ان يؤدي هذا “العماء”، المترافق مع تنافس بين مجموعات المعارضة في معظم الدوائر وتناقص حظوظها في النجاح، الى دفع المواطنين المعارضين لـ”كلن يعني كلن”، الى الانسحاب عمليا من الصراع السياسي، عبر الامتناع عن التصويت، بدل المساهمة في اختيار المشاريع الأقرب الى إقتناعاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى