سياسة

رابع من آب: جرح الوطن المفتوح وصرخة العدالة المؤجلة

رابع من آب: جرح الوطن المفتوح وصرخة العدالة المؤجلة

​بقلم: رئيسة تحرير lebcnnews رودا بدر

​يمرّ الرابع من آب ليُعيد إلى الأذهان واحدة من أبشع الكوارث التي ضربت قلب العاصمة اللبنانية وأدمت وجدان الشعب بأسره. ليست مجرد ذكرى سنوية لعابر من الزمن، بل هي محطة أليمة تختصر أزمات وطن مُختطف، وملف قضائي تعرّض لكل أشكال التعطيل والمماطلة بهدف طمس الحقيقة وتفريغ العدالة من مضمونها.

​ست سنوات مرّت على الانفجار الهائل، ولا يزال أهالي الضحايا يدورون في حلقة مفرغة باحثين عن بصيص أمل يُبلسم جراحهم. لقد طرق المكلومون كل الأبواب—السياسية، الأمنية، والقضائية—فلم يلقوا سوى صمم المسؤولين وتهربهم من أبسط الواجبات الأخلاقية والقانونية. هذا التقصير الممنهج لا يمثل مجرد إهمال عابر، بل هو جريمة موصوفة تُضاف إلى سجل طبقة سياسية تفننت في ضرب مقومات الدولة ومؤسساتها.

​في أبسط القواعد القانونية، تُعرّف الجريمة بفعل يخرق النص وتستوجب محاسبة الفاعل، غير أن الواقع اللبناني أثبت مراراً قدرة المنظومة الحاكمة على تفصيل القوانين وتطويعها لحماية مصالحها على حساب دماء الأبرياء. إن عرقلة التحقيقات، والتلاعب بالحصانات، وإنكار المسؤولية ليست تفاصيل تقنية، بل هي مؤشرات واضحة على تعمّق ثقافة الإفلات من العقاب. من هنا، بات لزاماً التحرّك عبر مسارات بديلة، لا سيما الدولية منها، للضغط على المراجع المعنية ومقاضاة كل المتورطين مهما كانت مواقعهم، استناداً إلى المعايير والمواثيق التي تُصنف طمس الحقائق جريمة ضد الإنسانية والعدالة.

​وفي هذا المشهد القاتم، تبقى المؤسسة العسكرية النقطة المضيئة الوحيدة في جدار العتمة. فالجيش اللبناني، رغم قلة الإمكانات والقيود السياسية المفروضة عليه وحملات التجني الممنهجة، يثبت دائماً أنه الحصن الأخير لحماية الاستقرار والسلم الأهلي. إلا أن استمرار تقاعس السلطة السياسية عن دعم المؤسسة العسكرية وتسليحها بالشكل المطلوب يعكس عقلية مرتهنة ترفض قيام دولة قوية قادرة على بسط سيادتها.

​إن الأزمة الحقيقية في لبنان تتجاوز تفاصيل التعطيل الإداري أو القضائي؛ إنها أزمة منظومة فاسدة جعلت من الولاءات الطائفية والمحاصصة الحزبية بديلاً عن الانتماء الوطني. لقد فقد المواطن ثقته بكل تفصيل من مفاصل هذه السلطة التي استخدمت مواقعها للنهب والسيطرة لا للخدمة والعطاء.

​إن التغيير الحقيقي وبناء لبنان الجديد لا يتحققان بالشعارات الرنانة ولا بالخطابات الشعبوية، بل بكسر هذه المنظومة من أساسها، وإعادة الاعتبار لمنطق الدولة وسيادة القانون، وجعل المحاسبة قاعدة لا استثناء، لكي لا يبقى اللبنانيون أسرى الرهانات الخاطئة وجرائم الإهمال المستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى