سياسة

​الرهينة والساحة: هل كُتب على اللبناني أن يكون “الأضحية” الدائمة؟

 

​الرهينة والساحة: هل كُتب على اللبناني أن يكون “الأضحية” الدائمة؟

​في كل مرة يقترب فيها لبنان من التقاط أنفاسه، تعود اليد نفسها لتجرّه إلى الحافة: حافة الحرب، حافة الانهيار، وحافة تحويل الناس إلى وقودٍ لمعارك تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. وفي عيد الأضحى المبارك، العيد الذي يُفترض أن يحمل قيم التضحية النبيلة، والرحمة، والطمأنينة، يبدو أن الجنوب اللبناني كُتب عليه أن يظل ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن يبقى أهله أسرى خطاباتٍ خشبية لا تشبه وجعهم اليومي في شيء.

​منذ أشهر، يعيش اللبنانيون على إيقاع تصعيدٍ منهك. تهديدات إسرائيلية لا تتوقف، ومسيّرات لا تغادر السماء، وتعبئة داخلية مستمرة تُدار وكأن البلد يملك ترف المغامرة أو فائضاً من القدرة على الصمود. وبين هذا وذاك، يقف المواطن اللبناني وحيداً وعاجزاً أمام سؤالٍ وجودي بسيط: من قرر أصلًا إقحام لبنان في هذه الحرب؟ ومن يملك الحق القانوني أو الأخلاقي لتقرير مصير ملايين البشر دون مراجعتهم، أو قياس قدرتهم على تحمّل الكلفة المترتبة على ذلك؟

​غياب الدولة واختطاف القرار

​يتحدث حزب الله عن “المواجهة” وكأنها قدرٌ حتمي لا مفر منه، ويقدّم نفسه حارساً وحيداً للبلاد في وجه الأطماع الإسرائيلية. لكن الوقائع على الأرض تروي قصة أخرى؛ فالجنوب هو من يدفع الثمن من لحمه الحي، وأهله هم من يخسرون منازلهم، وأرزاقهم، وأمانهم الاستراتيجي. وفي المقابل، تبدو الدولة اللبنانية عاجزةً حتى عن حماية قرارها السيادي. وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لدولة أن تدّعي الوجود فعلياً، إذا كان قرار السلم والحرب فيها يُطبخ خارج مؤسساتها الدستورية؟

​المشكلة اليوم لم تعد محصورة في السلاح وفقط، بل في ترسيخ فكرة مفادها أن لبنان تحوّل تدريجياً إلى “مساحة وظيفية” مرتبطة بصراعات المنطقة، أكثر من ارتباطه بمصالح شعبه. تارةً تحت عنوان دعم غزة، وتارةً بحجة الردع، وأخرى باسم المعركة الكبرى؛ لكن النتيجة دائماً واحدة:

​مزيد من الدمار والخراب.

​تعميق العزلة العربية والدولية.

​إحباط شعبي متزايد يشعر معه اللبناني بأن وطنه لم يعد يشبهه.

​منطق الحرب الإسرائيلي والابتزاز الداخلي

​على المقلب الآخر، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إسرائيل تستفيد من هذا الواقع لتبرير عدوانيتها التاريخية. إن حكومة بنيامين نتنياهو تعيش وتتغذى على منطق الحرب، وتستغل أي تصعيد لتقديم نفسها كحامية للأمن الإسرائيلي، حتى لو كان الثمن إبادة قرى لبنانية كاملة من الوجود. فالاحتلال لا يفرّق في قصفه بين حزبٍ ودولة، أو بين مقاتلٍ ومدني، واللبنانيون هم دائماً الهدف في بنك الأهداف الإسرائيلي.

​لكن رفض العدوان الإسرائيلي وإدانته لا يعنيان أبداً السكوت عن الواقع الداخلي المأزوم. من حق اللبنانيين، بل من واجبهم، أن يسألوا: لماذا يُطلب منهم دائماً تجرع سمّ قرارات لم يشاركوا في صنعها؟ ولماذا يتحول أي اعتراض عقلاني على جرّ البلاد إلى الهاوية إلى تهمة جاهزة بالخيانة، أو التخلي عن القضية الفلسطينية؟

​الجنوب حياة.. وليس جبهة

​لبنان لم يعد بحاجة إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى خطابات تعبوية نارية، ولا إلى “انتصارات إلهية” تُقاس بحجم الركام وعدد القرى المهجورة. ما يحتاجه لبنان فعلياً هو:

​دولة حقيقية تستعيد قرارها المصادر.

​حدود سيادية لا تُستخدم كصندوق بريد عسكري أو سياسي.

​شعب مواطن لا يُستدعى فقط ليكون ضحية في مشاريع عابرة للحدود.

​الجنوب ليس مجرد تفصيل في خارطة “محور المقاومة”، وليس مجرد جبهة لإشغال العدو؛ الجنوب هو حياة ناس يريدون العيش بكرامة وأمان. هو أطفال يحلمون بمدارس لا بملاجئ، ومزارعون ينتظرون مواسم الحصاد لا النزوح، وعائلات تتمسك بجدران بيوتها بدلاً من حمل ذكرياتها في حقائب اللجوء.

​في هذا العيد، ينفجر السؤال الأكثـر قسوة: إلى متى سيبقى اللبناني مشروع “أضحية” مؤجلة لحروب الآخرين؟ وإلى متى ستبقى مؤسسات الدولة مغيبة بينما يُقرر مصير الناس فوق رؤوسهم؟

​لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن حماية لبنان لا تكون بالشعارات المستهلكة، ولا بتحويله إلى ساحة استنزاف دائم، بل ببناء دولة قوية، قادرة، وعادلة؛ تحمي شعبها أولاً، وتمنع أن يبقى الوطن رهينة حرب لا يعرف أحد كيف بدأت… ولا كيف ستنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى