خاص LEBCNسياسة

جنوبُ لبنانَ: هل نستفيقُ على “فاروشا” إسرائيليّةٍ خلفَ أسلاكِ “السلام”؟

جنوبُ لبنانَ: هل نستفيقُ على “فاروشا” إسرائيليّةٍ خلفَ أسلاكِ “السلام”؟

بقلم:رودا بدر 

في صيفِ عامِ 1974، تحوّلتْ “فاروشا” القبرصيّةُ، التي كانتْ تُعرَفُ بـ”لؤلؤةِ المتوسّطِ” وواجهةِ الأثرياءِ والمشاهيرِ، إلى أكبرِ مدينةِ أشباحٍ في العالمِ. في غضونِ ساعاتٍ فقط، فرَّ سكانُها تاركينَ وراءَهم حياةً كاملةً تجمّدتْ خلفَ الأسلاكِ الشائكةِ تحتَ سيطرةِ الجيشِ التركيِّ.
اليومَ، ومعَ دخولِ لبنانَ في هدنةِ الأيامِ العشرةِ والتحضيراتِ للقاءِ الثلاثيِّ المرتقبِ في البيتِ الأبيضِ برعايةِ دونالدِ ترامب، يبرزُ السؤالُ الوجوديُّ: هل نعيشُ في الجنوبِ اللبنانيِّ لحظةَ “فاروشا” بلمسةٍ دبلوماسيّةٍ؟ هل ستكونُ الاتفاقيّاتُ القادمةُ جسرًا للعودةِ، أم صكَّ ملكيّةٍ لـ”منطقةٍ عازلةٍ” ممسوحةٍ جغرافيًّا ومحوّلةٍ إلى أطلالٍ تُستخدَمُ كورقةِ مساومةٍ دائمةٍ؟

مقامرةُ “حزبِ اللهِ” وتدميرُ الحاضنةِ
إنَّ مقامرةَ حزبِ اللهِ الإيرانيِّ غيرَ المحسوبةِ ونكرانَهُ للواقعِ يهدّدانِ الجنوبَ اللبنانيَّ بشكلٍ مباشرٍ. فلولا جنونُ هذا “الحزبِ المحظورِ” ومصادرتُهُ للقرارِ السياديِّ لجرِّ البلادِ إلى ما يُسمّى “حربَ إسنادٍ”، لما وصلنا اليومَ إلى حافةِ مأساةٍ تحوّلُ الجنوبَ إلى ركامٍ.
المفارقةُ المؤلمةُ تكمنُ في القرى التي أُجبرَ أهلُها على تركِ منازلِهم “لأجلِ الحزبِ”، فإذا بها تتحوّلُ إلى أرضٍ محروقةٍ. بلدةُ “عيتا الشعبِ”، التي كانتْ رمزًا، باتتْ اليومَ أطلالاً مهجورةً، بينما يتوعّدُ أهلُها المشرّدونَ بالعودةِ إلى سرابٍ. أمّا في “الخيامِ”، فقد وصلَ التخبّطُ بـ”فرعِ الحرسِ الثوريِّ الإيرانيِّ” إلى حدِّ قصفِ البلدةِ نفسِها وتدميرِ بيوتِ بيئتِهِ بحجّةِ تمركزِ الجيشِ الإسرائيليِّ، ليثبتَ الحزبُ أنّه أوّلُ مَن يهدمُ سقفَ الوطنِ فوقَ رؤوسِ أبنائِهِ.

استراتيجيّةُ الأرضِ المحروقةِ وإفراغُ البلداتِ
ما يحدثُ ليس مجرّدَ صراعٍ عابرٍ، بل سياسةٌ ممنهجةٌ لإفراغِ الأرضِ من هويّتِها. فبينما نرى “علما الشعبِ” وقد أُفرغتْ تماماً، وبلدةَ “القوزحِ” التي غادرَها أهلُها قسرًا لتصبحَ هدفًا لنيرانِ الحزبِ والاحتلالِ معًا، تتعرّضُ المنطقةُ لدمارٍ شاملٍ يعكسُ عقيدةَ “الأرضِ المحروقةِ”. هذا التدميرُ يمنحُ الاحتلالَ الذريعةَ لفرضِ سيطرةٍ عسكريّةٍ دائمةٍ، تمامًا كما جرى في فاروشا حيث تُرسَمُ الحدودُ “بالنارِ” قبلَ أيِّ حديثٍ عن سيادةٍ.

صمودُ الأهالي: خطُّ الدفاعِ الأخيرُ
وسطَ هذا الركامِ، يبرزُ صمودُ القرى التي رفضتْ أن تكونَ وقودًا لمشاريعَ إيرانيّةٍ. ففي “رميشَ”، لا يزالُ الأهلُ متمسّكينَ بأرضِهم ويرفضونَ المغادرةَ رغمَ كلِّ الضغوطِ. وفي “عينِ إبلَ” و”دبلَ”، ما زالَ هناك نبضٌ صامدٌ يقاومُ الفراغَ، بينما يسطّرُ أهالي “القليعةِ” و”جديدةِ مرجعيونَ” نموذجاً في التجذّرِ. إنَّ تمسّكَ هؤلاءِ بأرضِهم هو العائقُ الفعليُّ الوحيدُ أمامَ مشروعِ “المحوِ الجغرافيِّ”.

ذريعةُ التواجدِ العسكريِّ وتغييرُ الهويّةِ
إنَّ تغلغلَ السلاحِ غيرِ الشرعيِّ داخلَ الأحياءِ السكنيّةِ منحَ إسرائيلَ الذريعةَ الذهبيّةَ لتعزيزِ وجودِها. الخطرُ هنا يتجاوزُ القصفَ؛ إذ كشفتِ التقاريرُ عن نوايا لتغييرِ الهويّةِ التاريخيّةِ للأرضِ عبرَ فرضِ واقعِ “المنطقةِ المحظورةِ” التي يغيبُ عنها أهلُها وتُفرَضُ عليها أسماءٌ غريبةٌ، تمامًا كما فُرضتِ الأسماءُ التركيّةُ على مدنِ الشمالِ القبرصيِّ المهجورةِ.

بينَ التفاوضِ والواقعِ.. سلامٌ أم عزلٌ دائمٌ؟
بينما تتجهُ الأنظارُ إلى واشنطن بانتظارِ ما سيسفرُ عنه التفاوضُ المباشرُ، يبقى التوجّسُ سيّدَ الموقفِ. إنَّ “معاهدةَ السلامِ” أو ترتيباتِ “المنطقةِ العازلةِ” التي يُجرى الحديثُ عنها قد لا تعني بالضرورةِ عودةَ الحياةِ إلى القرى المحترقةِ.
الخطرُ الحقيقيُّ يكمنُ في أن تتحوّلَ بلداتُ الجنوبِ إلى “فاروشا لبنانيّةٍ” بامتيازٍ؛ مناطقَ يُمنَعُ أهلُها من ترميمِ حجارتِها بحجّةِ “الأمنِ المتبادلِ”، وتُتركُ للرياحِ لتصبحَ منطقةً عازلةً شائكةً تضمنُ أمنَ سكانِ الشمالِ الإسرائيليِّ على حسابِ الوجودِ اللبنانيِّ.
إنَّ استمرارَ هذا الحزبِ المحظورِ في تمرّدِهِ العسكريِّ ورفضِهِ تسليمَ سلاحِهِ للجيشِ سيؤدّي حتمًا إلى هذا الواقعِ المريرِ: أرضٌ بلا أهلٍ، وواقعٌ عسكريٌّ يُفرَضُ بالقوّةِ. فهل ستستعيدُ الدولةُ قرارَها وتدعمُ صمودَ مَن تبقّى؟ أم سنستفيقُ غدًا على الأطلالِ لنقولَ بحسرةٍ:
“هذهِ فاروشا اللبنانيّةُ… وهنا كانَ جنوبُ لبنانَ.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى