عام على عهد جوزاف عون… هل يُحاسَب الرئيس على ما لم يعد به؟

عام على عهد جوزاف عون… هل يُحاسَب الرئيس على ما لم يعد به؟
بعد سنة على تولّي الرئيس العماد جوزاف عون رئاسة الجمهوريّة، يتبيّن أنّ الجدل الدائر حول عهده لا يتعلّق بما فعله، بل بما أراد الآخرون أن يفعله مكانه.
فهل يُحاسَب رئيس لأنّه لم يُشعل مواجهة؟ أم لأنّه لم يَعِد بمعجزة؟ أم لأنّه رفض أن يكون أداة صدام في بلد يقف أصلًا على حافة الانهيار؟
البعض انتظر رئيسًا ينهض صباحًا ليُخرج لبنان من أزماته بعصا سحريّة، وآخرون راهنوا على رئيس يفتح مواجهة مباشرة مع «حزب الله» منذ اليوم الأوّل. كلا الرهانين سقطا، لأنّهما انطلقا من قراءة خاطئة للحظة، ولطبيعة الدولة، ولطبيعة الرجل.
جوزاف عون لم يأتِ رئيسًا ثوريًا ولا رئيس تحدٍّ، بل رئيس دولة في بلد شبه منهار، محاصر سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، ومفتوح على احتمالات الفوضى في أي لحظة. لذلك اختار الواقعيّة السياسيّة لا الشعبويّة، والدبلوماسيّة لا الاستفزاز، وبناء الدولة لا تسجيل المواقف.
منذ اليوم الأوّل، كان واضحًا أنّ الرئيس عون لن يحكم بمنطق الكسر. لم يُطلق خطابًا ناريًا ضد «حزب الله»، ولم يدخل في بازار المزايدات السياديّة، لا ضعفًا ولا مسايرة، بل إدراكًا بأنّ أي مواجهة غير محسوبة كانت ستقود البلاد إمّا إلى شلل كامل أو إلى انفجار داخلي لا قدرة للدولة على تحمّله.
في حسابات عون، الدولة تُبنى بالتدرّج لا بالشعارات، وبإعادة الاعتبار للمؤسّسات لا بتحويل الرئاسة إلى منصّة اشتباك.
في سنة واحدة، نجح عون حيث فشل غيره: ثبّت الاستقرار في الداخل، ومنع الانزلاق إلى فتنة كانت جاهزة في أكثر من مفصل، وحافظ على الحدّ الأدنى من انتظام المؤسّسات بعد فراغ طويل. أعاد الاعتبار لموقع رئاسة الجمهوريّة كرأس توازن لا كرأس محور، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لا من باب التحالف، بل من باب إدارة الدولة ومنع تعطيلها.
الذين يطالبون برئيس “صدامي” يتجاهلون حقيقة بديهية: لا تُبنى دولة بحرب أهليّة، ولا تُفرض السيادة على أنقاض الاستقرار.
عون قالها وطبّقها: حصرية السلاح هدف، لا شعارًا للاستهلاك. هدف يحتاج دولة، وجيشًا، وقرارًا سياسيًا متماسكًا، وظروفًا إقليميّة أقل اشتعالًا. لذلك لم يرفع السقف كلاميًا، بل ثبّت الأساس: دعم الجيش، تحصين الأمن، وإبقاء قرار السلاح ضمن إطار الدولة، ولو بالتدرّج.
سياسيًا، شكّل انسجامه مع رئيس الحكومة القاضي نواف سلام نقطة تحوّل نادرة في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. لأوّل مرّة منذ سنوات، لا صراع صلاحيات ولا تعطيل متبادل، بل شراكة هادئة على قاعدة الدستور ومفهوم الدولة، في نظام اعتاد الاشتباك لا الإدارة.
خارجيًا، أعاد عون وصل ما انقطع. فتح الأبواب العربيّة، رمّم العلاقة مع الخليج والمملكة العربيّة السعوديّة، وأخرج لبنان من العزلة التي طُبع بها في العهد السابق. قد لا تكون هذه العودة تُرجمت بعد دعمًا ماليًا واسعًا، لكنها أعادت لبنان إلى خريطته السياسيّة الطبيعيّة بعد سنوات من الارتهان والعزل.
أما في ملفّات الإصلاح والفساد، فالمسار بدأ ببطء، لكنّه بدأ. محاسبات طالت وزراء سابقين، رفع حصانات، إعادة تحريك ملفّ المرفأ، وفتح نقاش جدّي حول الانتظام المالي واسترداد الودائع، ولو وسط مقاومة شرسة من المنظومة السياسيّة والمصرفيّة.
بعد عام، يمكن استخلاص حقيقة واحدة:
جوزاف عون لم يكن عند حسن آمال من أرادوا معجزة، ولا عند حسن ظنّ من تمنّوا صدامًا، لكنه كان عند مقتضيات الدولة. اختار أن يكون رئيسًا يبني ولا يدمّر، يوازن ولا يغامر، ويؤسّس لدولة شرعيّة يكون السلاح فيها، في النهاية، بيد قواها فقط.
إذا كان هذا النهج يُزعج من اعتادوا حكم لبنان بالصدام أو بالفوضى، فالمشكلة ليست في العهد… بل في ثقافة سياسيّة لم تتعلّم بعد كيف تُدار الدولة.
فهل يملك لبنان ترف إسقاط رئيس يحاول بناء الدولة، أم أنّ التحدّي الحقيقي هو في حماية هذا المسار واستكماله؟
قراءة سياسيّة بقلم
رئيسة تحرير lebcnnews
الأستاذة رودا بدر



