إعادة تدوير الفساد؟ تعيين جديد في مجلس الإنماء والإعمار يثير الريبة

إعادة تدوير الفساد؟ تعيينٌ يثير الريبة في مجلس الإنماء والإعمار
في خضمّ التحديات الوجودية التي يواجهها لبنان، يصبح من الضروري التدقيق في التعيينات داخل المؤسسات الحساسة، لا سيّما تلك التي تُعنى بالإعمار والتنمية. فهل يعود الفساد بوجه جديد؟ التعيين الأخير في مجلس الإنماء والإعمار يطرح علامات استفهام كبرى.
تعيين المهندس غسان خيرالله أمينًا عامًا للمجلس يثير تساؤلات مشروعة، نظرًا لارتباط اسمه بعقود ومشاريع داخل المجلس منذ أكثر من ثلاثين عامًا، سواء كموظف سابق أو كمتعاقد. فهل يُعقل أن يُعاد تدوير أحد رموز المرحلة السابقة في موقع يُفترض أن يكون في صلب مسار الإصلاح؟
منذ إنشائه عام 1977، تحوّل مجلس الإنماء والإعمار تدريجيًا من أداة لإعادة بناء لبنان إلى منصة للصفقات السياسية، حيث مُنحت عقود بمليارات الدولارات إلى شركات محسوبة على أهل السلطة، في غياب فاضح لمعايير الشفافية والمنافسة. وتشير تقارير موثوقة، بينها تقرير صادر عن مركز الدراسات السياسية، إلى أن نحو 60% من إنفاق المجلس بين 2008 و2018 ذهب إلى عشر شركات فقط، ما يعكس احتكارًا صارخًا وتوزيعًا زبائنيًا للمال العام.
في هذا السياق، جاء تجاوز المهندسة منى فؤاد طرزي، التي تصدّرت نتائج اللجنة الوزارية، بمثابة ضربة لثقة الرأي العام. طرزي، المعروفة بكفاءتها ونزاهتها، نالت دعم معظم الوزراء، بل وحتى رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أقرّ بجدارتها. ومع ذلك، تم استبعادها لصالح مرشّح حلّ ثالثًا، إثر التراجع عن الآلية المعتمدة التي نصّت على اختيار المرشّح الأعلى تقييماً، تفاديًا للصراعات السياسية.
واللافت أن الرئيس المنتخب للمجلس لم يكن ضمن المرشحين الثلاثة الأوائل. وإذا كان مقرّبًا من الرئيس فؤاد السنيورة وضمن حصة رئيس الحكومة، فهل تعيين خيرالله أتى من حصة الرئيس جوزاف عون؟ أم هو انعكاس لتسوية بين القوى الخفية؟
ما جرى يمثّل صفعة جديدة لمبدأ تكافؤ الفرص، ودليلًا على استمرار هيمنة منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ داخل مؤسسات الدولة. والأسوأ من ذلك، أن مثل هذا التعيين قد يضعف الثقة بالعهد الجديد، ويُنظر إليه كعودة إلى النهج القديم في تدوير المواقع والمنافع.
من هنا، نطالب بتحقيق شفاف يشمل خلفية غسان خيرالله، إضافة إلى مراجعة دقيقة للعقود التي أبرمها وتقييم أدائه، إلى جانب نوّاب الرئيس المعيّنين. كما ندعو إلى اعتماد معايير واضحة وشفافة في التعيينات، تُعلي مبدأ الكفاءة على الولاء، والصالح العام على المصالح الفئوية.
لبنان لا يحتاج إلى إعادة تدوير النخب نفسها، بل إلى طاقات جديدة تؤمن بالدولة، الشفافية، والمحاسبة. فهل يملك العهد الجديد الجرأة لفتح هذا الملف بجدّية، أم أننا أمام فصل جديد من المسرحية القديمة؟



